قال سماحة اية الله العظمى الشيخ ((محمد موسى اليعقوبي ))

الاسلام محتاج الى جميع ابناءه


مرض الرسول

آذار 18th, 2007 كتبها zuhair alsalman نشر في , من سيرة الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم

وكان خطرُ الروم أشدَّ الاَخطار الخارجية، فاعتبره النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أمراً جدّياً لا يمكن التقليل من شأنه، ولذا فإنّه أعدّ جيشاً كبيراً في(سنة
____________
1 . لم يبدأ كتابه باسم اللّه أو مثل ما كان يفعله المشركون في العهد الجاهلي.
2 . السيرة النبوية:2|600.


8هـ) لمحاربتهم، كما سار إلى تبوك في (سنة9هـ )لاِظهار قوّة المسلمين أمامهم. ثمّ رأى بعد حجّة الوداع أن يُعدَّ جيشاً من المهاجرين والاَنصار، واشترك فيه أشخاصٌ بارزون في الدولة أمثال: أبي بكر وعمر وأبي عبيدة و سعد بن أبي وقاص، وكلّ من هاجر إلى المدينة خاصّة، وأمر بقيادته: أُسامةَ بن زيد، وقال له: «سِر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيلَ، فقد وليتك هذا الجيش، فاغز صباحاً وشنّ الغارة على أهل أُنبى».(1)
وقد أرادَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعيين قائد صغير السنّ على هذا الجيش الكبير، أن يوَكّد أساس الكفاءة الشخصية في تولّي المناصب والمسوَوليات، فهي لا ترتبط بالسن والعمر، بل بالكفاءة والموَهلات المطلوبة.
ولذا فإنّه لم يكن هناك مبررٌ لاعتراض البعض على تولّي قيادته من حيث السنّ وعمر الشباب.(2)
ذلك أنّ هوَلاء غفلوا عن المصالح و الاَهداف التي توخّاها الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» من هذا الاِجراء، فقدّروا كلَّ عمل بعقولهم المحدودة، و قايسوها بمقاييسهم الشخصية، ممّا أثر ذلك في تأخير تحرك الجيش من معسكر الجرف(3)،
ر الذي استقر به أُسامة منتظراً من سيلحق به من المسلمين.

____________
1 . أنبى، من مناطق البلقاء في سوريا قرب موَتة بين عسقلان و الرملة.
2 . ذهب بعض إلى أنّه كان في عمر 17 سنة، و آخرون بأنّه كان في 18 سنة، على أنّهم اتّفقوا على أنّه لم يتجاوز العشرين.
3 . الجرف: على بعد 3 أميال من المدينة نحو الشام.
 

 

مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

وبعد يوم من إعداد الجيش السابق، مَرِض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصداع شديد تركه طريحَ الفراش، وهو المرض الذي قضى فيه «صلى الله عليه وآله وسلم» .وقد علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّهناك من تخلّف عن الجيش، ومن يعرقل التوجه إلى موقعه، ومن يطعن في قيادة أُسامة، فغضب لذلك بشدّة وخرج معصّباً جبهته إلى مسجده، يحذرهم من عواقب أعمالهم غير السليمة وخاطبهم بقوله:
«لئن طَعنتم في إمارتي لاَُسامة، فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وأيمُ اللّه كان للاِمارة خليقاً، وأنّ ابنه من بعده لخليق للاِمارة، وإنَّه كان لمن أحبّ الناس إليّ، واستوصُوا به خيراً فإنّه من خياركم».
ونظراً لاَهمية هذا الجيش، فإنّ النبي (
صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول و هو في الفراش: «جهّزوا جيش أُسامة، لَعَنَ اللّهُ من تخلّف عنه».(1)
وفي الوقت الذي استعدّ فيه أُسامة وآخرون من المهاجرين والاَنصار للسير نحو الجرف، انتشر بينهم خبرُ تدهورِ صحّة النبي (
صلى الله عليه وآله وسلم) ممّاجعلهم يعدلون عن قصدهم حتى يوم الاِثنين، إلاّ أنّه «صلى الله عليه وآله وسلم» حثّه على الخروج قائلاً: «اغدُ على بركة اللّه».(2) فتهيّأ الجيشُ للتحرّك والمغادرة، إلاّ أنّ خبر احتضارالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جعلهم يعودون إلى المدينة متجاهلين أوامرَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقد ذكر الموَرخون أنّ النبي (
صلى الله عليه وآله وسلم) خرج في الليلة التي توفّي في صبيحتها، مع الاِمام علي (عليه السلام) إلى البقيع مع عدد آخر، فقال
____________
1 . الملل و النحل:1|23؛ طبقات ابن سعد:2|190.
2 . طبقات ابن سعد:2|190.


لهم: «إنّي أمرت أن استغفر لاَهل البقيع»، و عندما وصل إلى المكان سلّم على أهل القبور قائلاً:
«السّلامُ عليكم أهل القبور، ليهنئكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح الناس فيه، أقبَلَت الفتن كقِطَع اللّيل المظلم يتبع بعضها بعضاً، يتبع آخرها أوّلها». ثمّ التفت إلى الاِمام علي (عليه السلام) و قال:
«يا علي، إنّي خيـّرت بين خزائن الدنيا والخلود فيها أو الجنة، فاخترت لقاء ربّي والجنّة. إنّ جبرائيل كان يعرض عليّ القرآن كلّسنة مرّة، وقد عرضه عليّ العام مرّتين،ولا أراه إلاّلحضور أجلي».(1)

8. وفاة ابنه إبراهيم

وفي هذه السنة، و بعد 18 شهراً من ولادته، توفّي إبراهيم ابن النبي «صلى الله عليه وآ

المزيد


المرتدّون من المتنبّئين

آذار 18th, 2007 كتبها zuhair alsalman نشر في , من سيرة الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم


في نهاية عام 10هـ قدم نفران من اليمامة وسلّما النبيكتاباً من مسيلمة (الكذّاب) يدّعي فيه النبوة ويُشرِك نفسَه مع رسول الاِسلام في أمر الرسالة، يريد بذلك أن يعرّف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بنبوته هذه: فإنّي قد أُشركتُ في الاَمر معك، وإنّ لنا نصف الاَرض، ولقريش نصفُ الاَرض، ولكن قريشاً قومٌ يعتدون.(1) فالتفت النبي
المزيد


حجّة الوداع

آذار 18th, 2007 كتبها zuhair alsalman نشر في , من سيرة الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم


في عام 10 هـ أمرَ اللّهُ تعالى نبيّه الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يشارك في مراسم الحجّ، ويعلّم مناسكه للناس، ويوقفهم على واجباتهم في هذه العبادة الكبرى عمليّاً، كما يقوم بإزالة كلّما ارتبط بها من زوائد طيلة السنوات
____________
1 . الكامل: 2|305؛ بحار الاَنوار: 21|360.


الماضية، ويعيّن حدود عرفات ومنى و يوم الاِفاضة منها. ولذلك فقد تهيّأ عددٌ كبير من المسلمين لمرافقة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الرحلة المباركة، فخرج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة يوم 26 من ذي القعدة حتى بلغ ذي الحُليفة ـ قرب مسجد الشجرة ـ فأحرم ودخل الحَرم ملبّياً: «لبيك اللّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحَمدَ والنعمة لك والملك لبيك، لا شريك لك لبيك» وهو نداء إبراهيم (عليه السلام) . وكان يكرّر التلبية كلّما شاهد راكباً أو علا مرتفَعاً من الاَرض أو هبط وادياً، وعندما شارف مكة قطع التلبية. فدخل مكّة في اليوم الرابع من شهر ذي الحجّة متوجّهاً نحو المسجد الحرام رأساً، ودخله من باب بني شيبة وهو يحمد اللّه ويثني عليه ويصلّي على إبراهيم (عليه السلام) ، فبدأ من الحَجَر الاَسود فاستلمه أوّلاًً(1) ثمّ طاف سبعة أشواط حول الكعبة المعظمة، ثمّصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) ثمّتوجه نحو الصفا والمروة للسعي بينهما، ثمّ التفت إلى حُجّاج بيت اللّه الحرام وقال: «من لم يسق منكم هدياً فليحلّوليجعلها عمرة (أي فليقصّر فيحل له ما حرم عليه الاِ
المزيد


من سيرة الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم

آذار 18th, 2007 كتبها zuhair alsalman نشر في , سير الائمة, من سيرة الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم

  

لبيك يامحمد

الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)


ميلاد مبارك

في ذلك المحيط الصاخب بالجاهلية، وكل مظاهر التيه والزيغ والبغي، ولد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب (صلّى الله عليه وآله).

ولحكمة إلهية وُلد يتيماً، فقد تُوفي أبوه عبد الله في طريق عودته من الشام من تجارة له، ومحمد (صلّى الله عليه وآله) ما زال جنيناً في رحم أمه آمنة بنت وهب (رضي الله عنها).

وكان ميلاده المبارك في شهر ربيع الأول بعد حادثة هلاك أصحاب الفيل المشهورة (سورة الفيل) ـ التي أرخها القرآن الكريم بسورة منه كاملة ـ بشهر أو أكثر، ولد (صلّى الله عليه وآله) فأرضعته ثويبة مولاة أبي لهب أياماً بلبن ولدها مسروح، انتظاراً لقدوم المرضعات من نساء البوادي، إذ كان من دعاة أهل مكة أن يسترضعوا لأولادهم نساء أهل البادية، طلباً للفصاحة والفروسية.

وكالمعتاد قَدِمتْ على مكة عشر مرضعات من قبيلة سعد بن بكر فأصبن الرضاع، إلا واحدة منهن، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله، فعرض عليها الوليد محمد (صلّى الله عليه وآله) فتبرّمت لكونه يتيماً، وما ينجم عن اليتم عادة من قلة ذات اليد، فاستشارت زوجها الحارث الذي كان يصحبها، قائلة: أنها تكره العودة بغير رضاع ولم يبق أمامها إلا هذا الطفل اليتيم، فأشار عليها زوجها أن تأخذ الطفل عسى الله أن يجعل لهما فيه خيراً. وما أن ألقمته ثديها حتى درّ لبنُها غزيراً، في حين كان ولدها يتضور جوعاً بسبب قلة لبنها قبل ذلك.

ومن ثمّ تجلّت بركة الوليد المصطفى (صلّى الله عليه وآله) في الحي قاطبة، حتى عادت المرابع ممرعة خضراء، بعد أن كانت قاحلة مجدبة.

وبعد أن أكمل تمام السنتين، وفطم من الرضاع عادت به حليمة إلى مكة لزيارة أمه وذويه، فحدثتهم عن آثار عظمة الطفل، ومظاهر الخير فيه، ثم عادت به إلى الحي مجدداً.

 

الإعداد الإلهي المباشر

وفي العام الخامس من عمره المبارك عادت به حليمة إلى أهله، حيث استقبلت مرحلة الصبا.

والمتتبع لحياة الرسول (صلّى الله عليه وآله) منذ تلك السن المبكرة لا يسعه إلا أن يسلم بخضوعه خضوعاً مباشراً لرعاية الله سبحانه وتعالى، لا أقول الرعاية الصحية، والنمو السليم فحسب، وإنما الرعاية الخاصة بالإعداد المباشر من أجل النهوض بأعباء الرسالة العظمى فيما بعد.

وقد انطوت كتب السيرة على أحداث غاية في الأهمية تجسد بعمق حقيقة أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) كان خاضعاً لِلون خاص من الإعداد الإلهي لتحمل أعباء المستقبل، وهذه جملة بما تقطع به كتب السيرة الصحيحة في هذا المضمار.


• فعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في خطبته القاصعة:

(ولقد قَرَنَ الله به (صلّى الله عليه وآله) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليلة ونهاره..). (نهج البلاغة، تبويب صبحي الصالح، ط1، س1967، ص300)


• وعن الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) وهو بصدد الإشارة إلى مسألة الإعداد الإلهي الخاص لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل الدعوة: (ووكل بمحمد ملكاً عظيماً منذ فصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات، ومكارم الأخلاق، ويصده عن الشر ومساوئ الأخلاق). (بحار الأنوار، ج15، للشيخ المجلسي، ط طهران، ص363)


• وعن داود بن الحصين يقول بهذا الصدد: (فشب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يكلؤه الله، ويحوطه من أقذار الجاهلية، ومعايبها، لما يريد به من كرامته، ورسالته حتى بلغ أن كان رجلاً أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً..). (سبيل الهدى والرشاد ج2، ص198، لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي نقلاً عن ابن سعد وابن عساكر وغيرهما)

ولقد كان من آثار ذلك الإعداد الرباني المباشر له، أن المصطفى (صلّى الله عليه وآله) كان موحّداً لله عز وجل منذ سني حياته الأولى، وكان يعلن عداؤه للأوثان بلا تحفظ. (الوفاء بأحوال المصطفى ج1، ص133، وسبيل الهدى والرشاد ج2، ص199، والبحار ج15، ص410)

وكان يحج بيت الله تعالى، ويأبى تناول ما يذبح على النصب، فضلاً عن تسميته على كل طعام، وحمده لله تعالى بعده، إلى جانب ما تحلى به من الاستقامة في الخلق، والتزام الفضيلة في القول، والعمل، حتى سماه قومه (الصادق الأمين) كصفة مميزة له من سواه.

 

في كفالة جده

وما أن بلغ الخامسة من عمره وعادت به حليمة إلى أمه، وذويه في مكة ـ كما ذكرنا ـ حتى وجد في جده عبد المطلب خير راع له إذ وفّر له كل ما يتطلب من حنان فياض وعطف أبوي غامر، فكان يأكل معه، ويدخل عليه في خلوته، ويجلس على فراشه، ويدنيه منه في مجلسه، ويشدد على العناية به من لدن أهله.

كل ذلك كان يؤديه عبد المطلب لا بدافع عاطفي، باعتبار أن محمداً (صلّى الله عليه وآله) وديعة فقيده عبد الله فحسب، ولكن لتوسّمه في أن لابنه هذا شأناً لابد أن يصير إليه.

ومن أجل ذلك كان يوصي به ابنه أبا طالب، وأم أيمن.

ولما بلغ السادسة من عمره الشريف، ذهبت به أمه آمنة بصحبة أم أيمن، لزيارة أخواله بني عدي بن النجار في المدينة، وبعد أن مكثوا هنالك شهراً، قفلوا راجعين إلى مكة، وفي الطريق لاقت أمه آمنة منيتها، فدفنت في الأبواء، وهي قرية بين مكة والمدينة، فعادت به أم أيمن إلى جده، حيث اضطلعت بدور الأمومة كما كان جده مضطلعاً بدور الأبوة، على أن عبد المطلب قد اختطفته يد المنون، والمصطفى في السنة الثامنة من عمره الشريف.

 

في رعاية أبي طالب

فتولى رعايته عمه أبو طالب الذي عامله بالحدب والعطف والرعاية الأبوية الفائقة، بشكل لم يحض به أحد من أبنائه قط، فكان ينام في فراشه، ويجلسه في جنبه، ويأكل معه، ويخرجه إذا خرج من داره.. إلى غير ذلك من ألوان الرعاية.

 

مرحلة الشباب

وما أن استقبل الرسول (صلّى الله عليه وآله) مرحلة الشباب حتى شمّر عن ساعدي الجد لممارسة العمل لكسب قوته، فرعي الغنم أول عمل مارسه الرسول (صلّى الله عليه وآله) كما حدث بذلك جابر بن عبد الله (رضي الله عنه)، قائلاً: كنا مع النبي (صلّى الله عليه وآله) نجني الكباث ـ وهو ثمر شجر الأراك الناضج ـ فقال (صلّى الله عليه وآله): عليكم بالأسود منه، فإنه أطيبه، فإني كنت أجنيه إذ كنتُ أرعى الغنم، قلنا: وكنت ترعى الغنم يا رسول الله؟

قال: نعم وما من نبي إلا وقد رعاها. (أمين دويدار، صور من حياة محمد، ص76، ط دار المعارف بمصر)

وقال (صلّى الله عليه وآله) يوماً: كنت أرعى الغنم على قراريط لأهل مكة.. (الفروع من الكافي، كتاب المعيشة، ج4، ص65)

فبالرغم من أن الله سبحانه قادر على كفاية عبده ورسوله مشقة العمل، غير أنه تعالى أراد لرسوله أن يكون قدوة للناس، في الاجتهاد في العمل وعدم الاتكال على الناس.

وقد شدد الإسلام الحنيف على ضرورة العمل وأهميته على لسان رسوله (صلّى الله عليه وآله) حيث قال (صلّى الله عليه وآله): (ملعون من ألقى كلّه على الناس). (نفس المصدر)

وقال (صلّى الله عليه وآله): (العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال). (المصدر السابق)

وقال كذلك: (نعم العون على تقوى الله: الغنى). (المصدر السابق)

 

في بيت الزوجية

وفي الخامسة والعشرين من عمره الشريف، ذهب بتجارة إلى الشام لخديجة بنت خويلد (رضي الله عنها)، حيث كانت خديجة امرأة ذات جمال وشرف وثروة، وقد اعتادت أن تضارب الرجال، بأجر تجعله لهم، وحين ذاع صيت المصطفى (صلّى الله عليه وآله)، بين الناس، وعرفت بصدقه وأمانته وكرم أخلاقه، واستقامة سلوكه، عرضت عليه خديجة أن يخرج لها بتجارة إلى الشام وضاربته بأجر أكثر من سابقيه من الرجال، فخرج في قافلة لها بصحبة غلامها ميسرة، فباعا وابتاعا وعادا وافرين، (عاد وافرا: عاد وقد ربح) وراح ميسرة يحدث خديجة عن شمائل محمد (صلّى الله عليه وآله)، وسمو أخلاقه، فوقع في نفسها حب الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأنه أهل لأن يكون لها زوجاً، فأرسلت إليه نفيسة بنت منبه فقالت:

ـ ما يمنعك أن تتزوج؟

ـ ما بيدي ما أتزوج به.

ـ فإن كُفيتَ ذلك، ودُعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟

ـ فمن هي؟

ـ خديجة!

ـ كيف لي بذلك؟

ـ عليّ ذلك.. فأجابها بالقبول.

ثم أرسل عمّه، حمزة بن عبد المطلب ـ أو عمّه أبا طالب (على قول) ـ إلى خطبتها من عمها، حيث كان أبوها قد مات، فوقع الاتفاق، وتزوّجها المصطفى (صلّى الله عليه وآله) وكان عمره خمساً وعشرين سنة، وعمرها أربعين سنة ـ إذ كانت أرملة ـ وذلك بعد عودته من تجارتها من الشام بشهرين.

وقد انتقل بعد زواجها إلى دارها. وحققا بذلك أروع تلاحم عاطفي، معطر بالود، والوفاء.

وكانت إلى جانب حبها له، امرأة شريفة، ذات بصيرة تُحسِن تصريف الأمور، في روية، تشد من أزره، وتعينه على النوائب، وتخفف من أعبائه.

ثم كانت أول من صدّق رسالته، وبذلتْ كلّ ثروتها من أجل دعوته، وقد قابلها وداً بود، فلم يتزوج سواها حتى لحقتْ بالرفيق الأعلى. وقد ظل طوال حياته يثني عليها، ويذكر مآثرها.

وقد اتسمتْ حياة محمد (صلّى الله عليه وآله) بالمثابرة والجد منذ صباه، وإن كان زواجه من خديجة (رضي الله عنها) قد منح حياته (صلّى الله عليه وآله) بعض الاستقرار والراحة، ووجد (صلّى الله عليه وآله) فيما غمرته به زوجته خديجة (رضي الله عنها) من حنان وعاطفة صادقين ما يعوضه عن عاطفة الأبوة، وحنان الأمومة، اللذين فقدهما في مرحلة الصبا، من حياته الكريمة.

وفي هذه الفترة بالذات بدأت إرهاصات النبوة تتجلى في حياته، ومن أجل ذلك راح يستجيب لمتطلبات هذه المرحلة، فها هو، ينقطع في غار حراء أياماً معلومة، وشهراً متواصلاً في كل عام يقضيه بالعبادة، والتأمل والانقطاع لرب العالمين، بعيداً عن أجواء الجاهلية ومفاسدها، في جو خاص من الإعداد الإلهي، لحمل الرسالة العظمى.

واستمر هذا اللون من الممارسة حتى بلغ الأربعين من العمر حيث أشرق الوحي المقدس على روحه وقلبه حاملاً له أول بيان من الرسالة الخاتمة: (اقرأ باسم ربك الذي خلق..).

 

المكانة الاجتماعية

على أنه (صلّى الله عليه وآله) طوال الخمسة عشرة سنة، أو العشرين من عمره قبل الدعوة تركزت شخصيته الاجتماعية، فاشتهر بسمو الأخلاق، وكرم النفس والصدق والأمانة، حتى صارت ميزة له دون سواه، كما أسلفنا.

وقد تجلّت قوة شخصيته الاجتماعية في بناء الكعبة المشرفة، فالكعبة قد تعرضت، لسيل جارف، بعد حريق أصابها ممّا سبب ضرراً فادحاً ببنائها، فرأت قريش أن تعيد بناءها، فخرج الوليد بن المغيرة، في نفر من قريش وابتاعوا خشب سفينة كانت قد تحطمت عند جدة، وعدّوه لتسقيفها، وكان بمكة نجار يدعى (باقوم) وهو مولى لسعيد بن العاص، فأمروه أن يمارس البناء.

وقد اشتركت قريش بجميع قبائلها بالبناء، فلما أرادوا وضع الحجر الأسود في موضعه، دبّ النزاع في قريش، حول من يضطلع بشرف وضع الحجر الأسود في موضعه المعلوم، وودّت كل طائفة أن تنال ذلك الشرف دون سواها.

وتأزم الموقف، وكاد أن يفلت الزمام، لولا أن أبا أمية بن المغيرة ـ وكان أسنهم ـ قد اقترح عليهم، أن يحكّموا بينهم، أوّل من يدخل عليهم من باب بني شيبة، فاستجابوا لمشورته وانتظروا طلعة المنقذ، وطلع عليهم المصطفى (صلّى الله عليه وآله)، فلما بصروا به، قالوا: هذا الأمين، رضينا به. هذا محمد..!

فلما انتهى إليهم وأخبروه خبرهم، قال (صلّى الله عليه وآله): هَلُمَّ إليّ ثوباً. فأتى به، فبسطه على الأرض، ثم وضع الحجر فيه، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بطرف من الثوب ثم ارفعوه جميعاً. ففعلوا، حتى إذا بلغوا موضعه حمله بيده الشريفة ووضعه في مكانه الخاص.

 

حلف الفضول

ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن المصطفى (صلّى الله عليه وآله) قد شارك في حلف الفضول الذي عقد بين زعماء القبائل العربية المشتركة في حرب الفجار المفجعة، حيث حقق الحلف المذكور، نصراً للمظلومين بعد الاتفاق بين الأطراف المتنازعة على درء المظالم، والتعاون على نصرة الحق، والدفاع عن المظلوم.

وقد ورد عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) ثناء جميل على ما حققه ذلك الحلف بقوله (صلّى الله عليه وآله): (ما أحب أن لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم (الإبل)، أعذر به هاشم وزهرة وتيم، تحالفوا أن يكونوا مع المظلوم ما بلّ بحر صوفه، ولو دعيت به لأجبت، و

المزيد





اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى ابائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتسى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا برحمتك ياارحم الراحمين

اهلا بكم في مدونة الميمونة وباأراكم وافكاركم التي تنورونا بها