العراق..الفشل والحل
نـــــــــــــــــــــــــــزار حيدر
NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM
كمواطن، يحق لي اليوم ان اقيم عمل الحكومة العراقية، واحكم عليها ما اذا كانت قد نجحت أم فشلت في مهامها، وذلك بعد مرور أكثر من ستة اشهر على ولادتها، وهي المدة الزمنية التي كنت قد حددتها في مقال سابق، قبل ان احكم لها او عليها.
وقبل ان اصدر حكمي الشخصي على الحكومة العراقية، اود ان ابين ملاحظة في غاية الاهمية، وهي ان المقصود بالحكومة العراقية، كل الزعماء والقادة الذين يشتركون في العملية السياسية بشكل مباشر، وهم، كما نعرف مجموع اعضاء المؤسسات الرئاسية الثلاث، رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان، ولذلك فسوف لن ارحم او اغفل اي واحد منهم في مقالتي هذه، من اجل مصلحة العراق والعراقيين.
اقول ذلك لان كل الزعماء والقادة يصرون على تسمية الحكومة الحالية بحكومة الوحدة الوطنية، وان المسؤوليات في الرئاسات الثلاث، متساوية بين جميع الفرقاء وانها مسؤولية تضامنية بين مختلف الاطراف المشاركة، ولذلك لا يحق لاي احد منهم ان يتهرب من المسؤولية او يتحجج باية اعذار.
اما غير المشتركين او الرافضين للعملية السياسية، فهؤلاء في الحقيقة يتحملون القسط الاكبر من مسؤولية الفشل لانهم تورطوا في الارهاب من قمة رؤوسهم الى اخمص اقدامهم، ولذلك فسوف لن اتحدث كثيرا عن هلؤلاء، فدورهم معروف ومسؤوليتهم مفروزة مسبقا.
كما انني لن اتحدث عن دور دول الجوار، خاصة الانظمة العربية الطائفية التي ترتعد فرائصها كلما طرق سمعها مصطلحات مثل التغيير والاصلاح والديمقراطية وصندوق الاقتراع وغير ذلك، في الفشل، كما لن اتحدث عن دور الاخطاء الاميركية والدولية القاتلة في ذلك، وانما احاول ان احصر الحديث في مسؤولية الزعماء والقادة الذين تصدوا للعملية السياسية والذين طالما ظل العراقيون يبررون لهم ويمنحونهم الفرصة تلو الاخرى من اجل تمكينهم لتحقيق نجاح ما.
فما هو الحكم الذي يمكن ان اصدره على الحكومة، بعد مرور اكثر من ستة اشهر على تصديها لمهامها الدستورية؟.
انها، وبكل بساطة ووضوح واسف، حكومة فاشلة بكل المعايير.
فلقد فشلت في تحقيق اي شئ يذكر، كما انها فشلت في تحقيق اي انجاز سوى الشعارات والكلام الفارغ والوعود المعسولة والاماني البائسة، والخطط الميدانية النظرية التي لم تحقق شيئا للناس.
وبذلك تكون هذه الحكومة قد فقدت شرعيتها، لان شرعية الحكم في اي بلد في العالم لا تعتمد على كيفية اختيار الحكومات، بل على قدرة الحكومة لتلبية احتياجات شعبها اليومية.
وللتدليل على فشل (حكومة الوحدة الوطنية) التي تفتقر الى ابسط مقومات النجاح والمتمثل في الانسجام بين اعضائها، اسوق الامثلة البسيطة التالية:
خذ مثلا على ذلك، الملف الامني الذي طالما ظلت الحكومة تعلن يوميا عن خطط جديدة لمواجهة العنف والارهاب، الا ان المحصلة ليست صفرا وانما دون الصفر، فلقد شهدت الاشهر الثلاثة الاخيرة اعنف موجة ارهاب سالت فيها الدماء انهارا، لدرجة ان الكثير من العراقيين، حتى من ضحايا النظام البائد، راحوا يترحمون على ايام (النباش الاول) ولعلكم سمعتم بقصته الظريفة التي ذهبت مثلا بين العراقيين.
اما على صعيد التنمية واعادة البناء، فلم يشهد العراق شيئا من ذلك طوال فترة تصدي هذه الحكومة لمسؤولياتها الدستورية.
وهكذا بالنسبة الى محاربتها للفساء المالي والاداري الذي انتشر كالسرطان في مختلف اجهزة الدولة.
كما ان السيادة ظلت عالقة خلال الاشهر الستة الماضية، على الرغم من كثرة الحديث عنها، خاصة بعد كل اجتماع قمة بين العراقيين والاميركيين على وجه التحديد.
فلماذا فشلت الحكومة العراقية في تحمل مسؤولياتها؟ وهل يحق لها الاستمرار في عملها، بعد كل هذا الفشل المريع؟. وما هو مصير العملية السياسية والديمقراطية الموعودة؟ وما هو الحل المقترح للخروج من الازمة الخانقة التي لا يرى احد فيها اي بصيص امل؟.
لقد حاصرت الحكومة نفسها عندما قبلت بان تنقلب على نتائج صندوق الاقتراع، وتنصاع للمشروع الاميركي الرامي الى تشكيلها على اساس التوافق والمحاصصة، والذي ساوى بين الجميع في الحقوق بغض النظر عما يمتلكه كل طرف من مقاعد في البرلمان، فتم تقسيم السلطة الى ثلاثة اقسام، وبالتساوي، من خلال منح الجميع حق النقض (الفيتو) في كل مرافق ومؤسسات الدولة الجديدة، ما عطل فاعليتها وافرغ محتواها من الحقيقة المقصودة من الانتخابات.
اما اسباب الفشل، فبرأيي ، تعود الى ما يلي:
اولا: لم يكن هدف الذين تصدوا للمشهد السياسي العراقي منذ سقوط الصنم ولحد الان، الانسان، بل كان هدفهم الموقع، ولذلك فان كل الذي بذلوه كان من اجل السلطة وللسلطة، وليس من اجل الانسان، وفرق كبير بين من يرمق الموقع بعينه لخدمة الانسان، وبين من يرمق الانسان بعينه للوصول الى الموقع.
فالاول يركل السلطة بقدميه اذا لم تكن وسيلة لاقامة الحق والانصاف بين الناس، اما الثاني، فيركل الناس للوصول الى السلطة.
الاول يقول، والله ما امرتكم هذه الا كعفطة عنز الا ان اقيم حقا او ادحض باطلا، والثاني يقبل بكل الشروط المذلة للوصول الى السلطة.
لذلك ورد على لسان امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام قوله {ان رسول الله (ص) امرنا ان لا نعطي السلطة لمن يطلبها} اي الذي يبدي تهالكا عليها، لان مثله لا يرعى الا ولا ذمة في الناس، لان هدفه السلطة وليس الناس.
ثانيا: لقد غابت نظرية التمكين من الساحة السياسية العراقية، وحلت محلها نظرية التربص، فكل متربص بالآخر، يعرقل عمله خشية ان يحقق انجازا فيكتب باسمه فياتي على حساب رصيد الاخر.
لم يتمن احد منهم للاخر النجاح، ولم يمكن احدهم الاخر على انجاز مهامه الموكولة اليه، فكانت محصلة عمل الجميع (صفرا) لان التربص يمنع الجميع من تحقيق انجاز ما، كما انه السبب المباشر في فشل الجميع، وان كانوا يضنون بان فشل احدهم نجاح للآخر.
ثالثا: لم يتعامل اي احد منهم كرجل دولة، مسؤول عن بلاد وعن شعب، وانما تعاملوا كشيوخ قبائل او زعماء احزاب او قادة طوائف او مدراء شركات.
لقد غاب مفهوم الزعامة الوطنية بصورة مرعبة، وللاسف الشديد، فلم يعد في العراق زعماء وطنيون، يقدمون مصلحة البلاد على مصالح الفئة، ومصالح الناس على مصالح الاسرة او القبيلة، ومصالح العراق على مصالح هذه المدينة او تلك.
لقد تخندق الجميع كل في بئره، الاسرة، الحزب، الطائفة، القومية، المدينة، فكل شئ كان حاضرا الا الوطن، وكل الاعضاء والمنتسبين والاقرباء كانوا في وعي الزعيم الا الشعب.
رابعا: لقد بدا الجميع، بلا رؤية استراتيجية، فضاعوا واضاعوا العراق بين كومة من التكتيكات المتناثرة التي ان جمعتها الى بعض لم تشكل حتى استراتيجية واحدة، وكما هو م
المزيد