الإمام السيد موسى الصدر
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
الشهادة والتخطيط
مرور أيام قليلة على واقعة كربلاء لا ينسينا عِظَم المصيبة والاعتبار بنتائجها. والحقيقة أن المصاب بعد الوقوع أكثر تأثيراً من إحساس الإنسان بالمصيبة قبل وقوعها، ثم نتائج المعركة والتضحية تبدو، عادة، بعد انتهاء المعركة.
في يوم عاشوراء قُتل الإمام الحسين(ع) وقتل من معه من الرجال، بل والشباب بل وقسم من الأولاد الصغار ولم يبقَ حسب ما أوردت التواريخ في الخيام وبين أهل بيت الحسين(ع) أحد إلا شخصان: الشخص الأول أو الرجل الأول هو علي بن الحسين زين العابدين(ع) وكان مريضاً وكان يُخيّل إلى الناس أنه في دور الاحتضار ولا يطول عمره أبداً، ولهذا تركوه اعتماداً على أنه سوف يموت من دون حاجة إلى القتل. وشاب ثان نجا من المعركة بأعجوبة وهو الحسن المثنى ابن الإمام الحسن(ع) الذي كان جريحاً، وكان بين القتلى مطروحاً على الأرض من دون حراك ولا أثر للحياة.
بعدما وضعت المعركة أوزارها وأرادوا أن يدفنوا الموتى وجدوه حياً فعالجوه وبقي في الخيام وبين الأسرى. وله بعض الأحداث عند ابن زياد وعند يزيد وفي الطريق كما يظهر من بعض كتب المقاتل. أما ما عدا هذين فقد قُتل الجميع وبقي الدور الرئيسي في إنجاز مهمة الحسين(ع) على عاتق زينب سلام الله عليها، التي أدّت هذه الأدوار الصعبة على خير ما يمكن أن تؤدّى. فهي لا شك أنها أصيبت بما أصيب به الحسين(ع) يوم عاشوراء من المصائب والأحزان ثم أنها أصيبت أيضاً بقتل الحسين.
وبعد ذلك كان لها مهمات، أولها المحافظة على عزّ الإمام الحسين وظهور الإمام الحسين بمظهر القوي لا بمظهر العاجز والضعيف والمتخوّف. وكما قلت في بعض أيامنا، في ذكريات عاشوراء، أنّ الإمام الحسين مهّد لهذا الأمر بتضحياته المتعددة لأصحابه وبتحضير زينب، بالذات، وبقية النساء بشكل عام، لمجابهة هذه المصائب والأحداث حتى لا يظهر عليهنّ أبداً أثر من آثار الذل والضعف من الندب والنحيب والنداء بالويل والثبور. هذه المسائل لم تكن موجودة أبداً في كربلاء، فقد كان التنافس في الموت يظهر على أصحاب الحسين، كما يصفهم الشاعر:
لبسوا القلوب على الدروع كأنّما يتهافتون على ذهاب الأنفسِ
كانوا يتسابقون على الموت وكأنهم ذاهبون إلى أفضل غاية وأجمل مرام. هكذا أهل بيت الحسين وأرحام الحسين(ع) كانوا يتسابقون وكل يريد أن يذهب بإصرار وإلحاح ويظهر أمام العدو بمظهر الشجاع الذي لا يبالي بالموت.
كل هذه المسائل مقصودة حتى يظهر في التاريخ، وبعد التاريخ، ما هو الخط وما هو أثر الإيمان وما هو معنى العزّ والمجد. كما أنّ الحسين(ع) بالذات كان يراقب هذه النقطة جيداً، لا يظهر بمظهر العاجز، لا يبكي على الأولاد، لا يبكي على القتلى، لا يُظهِر العجز أمام الأعداء، أمام الحزن، أمام المصائب، وقد سمعتم الكلمة المعروفة عنه: "فوالله ما رأيت مكسوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته أربط جأشاً ولا أقوى جَناناً من الحسين".
عاشوراء بين هدفين
فكان يظهر على وجهه في هذا النقل العزيمة والقوة، والإشراق في الوجه، والصلابة في الموقف، بعد كل هذه المصائب نرى نفس الموقف: يعني موقف القوة واللامبالاة بالموت والجرح والعطش والعدو كان بارزاً عند النساء في جميع شؤون هذه الأيام ومصائبها.
كفانا هذا الموقف المعروف بعدما دُفنت الأجساد الخبيثة، جماعة عمر بن سعد دفنوهم، وبقيت أجساد الحسين(ع) وأهل بيته(ع) وأصحابه مطروحة على وجه الأرض بعد ذلك أرادوا أن ينتهوا وينتقلوا من كربلاء إلى الكوفة فأخذوا نساء أهل بيت النبوة(ع)، الأمهات والأخوات وعبروا بهنّ من قرب المقاتل، أي حاولوا أن يظهروا وأن يبدوا ما جرى في المعركة من القتلى والمصارع عند النساء. لأي سبب؟
لنقيض السبب الذي كان يفكر به الحسين. الحسين كان يفكر في أن يظهر بمظهر القوة في حياته وبعد وفاته، وهم كانوا يريدون أن يُظهروا الحسين قبل موته وبعد موته بمظهر العاجز. كانوا يريدون أن يأتوا بالنساء أمام أجساد القتلى حتى يبكين وحتى يَحزنّ وحتى يندبن تشفياً وإظهاراً لعجز الجماعة. هنا، حينما جاؤوا بالنساء والأولاد تصوّروا الموقف الرهيب، أحضروهم وكل واحد أو كل امرأة لها أخٌ أو زوج أو أولاد بين القتلى ولكن لا تبكي. إنهنّ كنّ مأمورات بمتابعة زينب، ثم زينب كانت عقيلتهنّ فكنّ يُطِعْنها سلام الله عليها، في طليعتهم أمام جسد الحسين المقطّع والجسد الذي لا يُرى عضو سالم فيه، والجسد مع ذلك مغطّى بالسهام والسيوف والرماح والحجارة، فلا يكاد يظهر. ولسنا بحاجة لأن ينقل لنا التاريخ هذه النقاط واضحة. جاءت زينب ووقفت عند الحسين ونفضت تلك الحجارة والرماح والسيوف ثم رفعت جسد الحسين بكلتا يديها وقالت: "اللهم تقبّل منا هذا القربان".
مهمة السيدة زينب(ع)
تصوّروا مع














