الصفحة الأولى
العدد (54)
المرجعية حصن يحمي عقائد الأمة ويصحح سلوكها من الفتن الضالّة (1)
تكاد الدعوات الضالّة رغم تباين مناهجها وتقاطعها في عملها تتحد على قاسم مشترك تجتمع عليه هو ضرب المرجعية وتسقيطها وتشويه صورتها وإلغاء دورها في المجتمع، يستوي في ذلك أدعياء المهدوية والسفارة والبابية والسلوكية وسائر العناوين المرتبطة بقضية الإمام المهدي (عليه السلام) وظهوره الميمون.
والسر في ذلك أن هؤلاء يراهنون في نجاح دعواتهم على سذاجة الناس وجهلهم وتخلّفهّم ومع وجود مرجعية جامعة للشروط والتي من مهامها توعية الأمة وهدايتها إلى الحق فان مثل تلك الدعوات الضالة لا تجد طريقها إلى إغواء الناس وإضلالهم، لان من أوصاف العلماء بحسب ما ورد في الروايات الشريفة أنهم (حصون الإسلام) فكما إن الحصون توضع على حدود الكيان لتحفظ ثغوره وتصد هجمات الأعداء كذلك دور العلماء والمرجعية الرشيدة فأن من وظائفهم حماية عقائد الناس وسلوكهم من الفساد والانحراف فهم مرابطون على هذه الثغور والفجوات العقائدية والفكرية ليردّوا الأعداء من الجن والإنس الذين يتسللون منها إلى عقول وقلوب ونفوس الناس والمرجعية لا يصل إليها الشخص بين عشية وضحاها ولا يتقمصها مجهول لا يعرف من أين جاء كما يتسلل هؤلاء الدجالون وإنما يعرف تاريخ الشخص الذي يتصدى للمرجعية بوضوح لسنين طويلة تكون كافية للاطمئنان إلى علمه الذي يصل إلى درجة الاجتهاد وحسن سيرته المعبّر عنها بالعدالة ونقاء أصله المعرف بطهارة المولد فإذا أطمأنّت الأمة إلى تحقق الصفات في مرجعية ما فعليها ان تؤدي وظيفتها تجاه مرجعيتها وقد حددّها الإمام الباقر (عليه السلام) بقوله (إنما كُلَّف الناس ثلاثاً: معرفة الأئمة، والتسليم لهم فيما ورد إليهم، والرد إليهم فيما اختلفوا فيه) والمرجع هو نائب نوعي للإمام المعصوم وليس نائباً شخصياً أي انه محدد بالأوصاف والشروط من قبل المعصوم وليس بالاسم وتوجد روايات عديدة عنهم (عليهم السلام) بهذا الصدد ومنها ما روي عن الإمام المهدي (عليه السلام) (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فأنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) وإذا كانت هذه وصية الإمام المهدي (عليه السلام) الذي يتاجر باسمه أصحاب تلك الدعوات الضالة فكيف يسقطون من نصّبه الإمام المهدي حجة عليهم وأمرهم بإتباعِهم؟ ومع هذا الانفضاح لدعواتهم الضالّة كيف تنطلي خدعهم على الناس؟ وكيف يصدقونهم من دون ان يعرفوا لهم تاريخاً مشرفاً فهم إما نكرات او مجهولون ولا تعرف لهم سابقة في علم ولا دين؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من تعليقات سماحة الشيخ اليعقوبي على بعض الدعوات الضالة التي ظهرت مؤخراً.
إحياء اللغة العربية وآدابها
يجد المراقب للمشهد الثقافي والإعلامي العراقي ضعف الاهتمام باللغة العربية وعلومها وآدابها ويصاب المتابع بالذهول حينما يستمع إلى المتحدثين وهم يخالفون أوضح قواعد اللغة العربية وأيسرها، وأصبحت الصياغات الأدبية للمقالات والكتب والنشرات ركيكة لا يتذوّقها الأديب، أما الشعر فعادت بضاعته كاسدة ولا يتعاطاه إنشاءاً وإنشاداً إلا النادر والمجالس الأدبية لا تنال إقبالاً ولا تفاعلاً.
من هنا برزت الحاجة إلى إحياء (مجمع اللغة العربية) الذي كان قبل عقود يضّم عباقرة الفن ممن نذروا أنفسهم لصيانة اللسان العربي ونشر علوم اللغة وآدابها فأسدوا للأمة خدمات جليلة.
إن حاجتنا إلى ثورة أدبية لغوية ليس فقط لان اللغة العربية لغتنا ونعتز بها والقاسم المشترك لأبناء امتنا العربية لان الاهتمام بهذا المقدار شيء تشترك فيه كل الشعوب، ولكن الأهم من ذلك أنها لغة القران الكريم والسنة الشريفة للنبي وآله المعصومين (صلوات الله عليهم) فالابتعاد عنها وقلة الاهتمام بها يعني الانفصال عن هذا المعين الصافي للعلم والمعرفة والمنهج السليم للحياة.
إني أتحسس منذ مدة المؤامرات التي تستهدف اللغة العربية عن قصد وبدون قصد ولكل هدفه من ذلك ولا استثني منها حتى أروقة الدراسة في الحوزة العلمية الشريفة (وتلك شقشقة يعرفها من أخرم) ومن تلك المؤامرات ما أثير من ضجّة ساندها أدباء كبار كطه حسين في ثلاثينيات القرن الماضي حينما دعوا إلى جعل لغة التداول والمخاطبات اللهجة العامية وليست اللغة الفصحى ولو قدّر لهذه المؤامرة أن تنجح لما وجدت اليوم من يحسن اللغة العربية ويفهم كتاب الله وسنة رسوله. ناهيك عن التمزق الذي سيصيب الأمة لان كل فئة في المجتمع ستنغلق على لهجتها العامية وتضّيع اللغة الأم المشتركة كما فعل أتاتورك حينما نشر اللغة التركية ذات الحروف اللاتينية وهجر اللغة القريبة إلى العربية فانفصلت الأمة التركية عن أسلامها وقرآنها وها نحن اليوم نلمس الحواجز التي تنشأ بين العراقيين في شمال العراق من الأكراد وغيرهم وبين بقية أخوانهم من العراقيين بسبب الانفصال منذ عام 1991 وعدم تداول اللغة العربية بينهم فنشأ عندهم جيل لا يفهم العربية ولم يعُد يجد قاسماً مشتركاً بينه وبين أخوته العراقيين. بينما كانت اللحمة وثيقة حينما كانوا يدرسون في جامعاتنا ويعملون في مؤسساتنا ويختلطون بمجتمعنا العربي.
ما أعظم اللغة العربية وأدق أسرارها حينما اختارها الله تبارك وتعالى لتكون وعاءاً للمعاني العظيمة التي يريد أن يبلّغ بها عباده من خلال القرآن الكريم الذي لا تنقضي عجائبه ولا تنتهي علومه حتى وصف في أحاديث المعصومين (سلام الله عليهم) بأن له سبعين بطناً من المعاني فأي لغة يمكنها أن تعبّر بجملة ما يفيد كل هذه المستويات من الفهم.
نقل سيدنا الأستاذ الشهيد الصدر الثاني (قده) ان ثلاثة من العلماء دخلوا في الليلة الأولى من شهر رمضان على احد العلماء العارفين لزيارته فشرح لهم آية شريفة بمعنى غير المعنى الظاهر المتداول فاعترفوا بوضوح إفادة الآية لهذا المعنى وعجبوا من غفلتهم عنه ثم دخلوا الليلة التالية فشرح لهم نفس الآية بتفسير آخر واعترفوا بوضوحه وتعجبوا أيضاً من عدم التفاتهم له وهكذا إلى نهاية الشهر، فما هذه الأسرار والعجائب التي استوعبتها هذه اللغة المباركة وأية جناية تلك التي ترتكبها الأمة حينما تذهل عن لغتها وتضيّعها بانسياقها وراء أهداف وغايات متدنية.
إن إحياء مجمع اللغة العربية وإقامة الفعاليات الأدبية وتشجيع الأدباء والشعراء وتكريمهم ودعم الآثار الأدبية ونشرها وتكريم المبدعين والمساهمة في كتابة مناهج تعليمية مثمرة وتحسين أداء مدرّسي اللغة العربية ونحوها من الآليات كفيلة بإحداث هذه الحركة المباركة )
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)(التوبة: من الآية105)
الصفحة الثانية
العدد (54)
تجربة البصرة في المصالحة الوطنية والازدهار …مراجعة وتقييم (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والحمد حقه كما يستحقه حمداً كثيراً وصلى الله على سيد خلقه القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين
جرت العادة في مثل هذه المناسبات أي الذكرى السنوية لتأسيس حزب أو ميلاد شخص أو توليه منصباً رفيعاً أو قيام دولة ونحوها على تبادل التهاني وهو تصرف سليم ان يُهَّنأ الإنسان على نعمة انعم الله تبارك وتعالى بها عليه.
ولا شك ان وجود الفرد ضمن مشروع رسالي نبيل يهدف إلى إنصاف المظلومين وإصلاح المجتمع واستنقاذ حقوق المستضعفين وأعمار الحياة وازدهارها لتحيا البشرية سعادة الدارين ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ليس فقط جزءاً من المشروع وإنما يتأهل ليكون قائداً فيه كما ذكرنا في خطاب سابق هو نعمة تستحق التهنئة مادام سعيه مخلصاً نحو تحقيق هذه الأهداف.
ان الأحزاب والتنظيمات هي بمثابة القلب الذي ينبض بالحياة في جسد الأمة ويحركها وينظم هذه الحركة وإذا توقفت عن العمل خمدت حركة الأمة وماتت، أما المرجعية الرسالية الرشيدة والعلماء المرتبطون بها فهم بمثابة العقل الذي يوجّه حركة الأمة ويرّشد مسيرتها.
والأحزاب قد لا تستطيع تنظيم ما يزيد عن واحد بالألف من الشعب وهذا أمر طبيعي لان عموم الناس منشغلون بأعمالهم وشؤونهم الحياتية الأخرى ولا نتوقع ان القدرة على العمل الحزبي متوفرة في هذه النسبة من الناس وإنما تقاس فاعلية الأحزاب وسعة قاعدتها بقدرتها على تعبئة الأمة وتحشيدها إزاء قضية معينة، وهذه القدرة مرتبطة بتوفر عناصر النجاح في عمل الحزب ومدى مصداقيته في تحقيق الأهداف المعلنة للجماهير والتي تزيد من قناعتها به.
ومن المظاهر المهمة في مثل هذه الذكريات إجراء المراجعة والتقييم ومحاسبة الذات فان الحديث الشريف (ليس منا من لم يحاسب نفسه كل ليلة) لا ينحصر تطبيقه بمحاسبة الشخص لنفسه ومراجعة أعماله وإنما يتعدى إلى محاسبة الكيان كالحزب والجماعة والتنظيم لنفسه وإجراء تقييم موضوعي ومراجعة منصفة لمسيرته وليكن ذلك في كل عام مرة على الأقل إذا تعذر بأقل من ذلك.
وإذا عجزت الأحزاب عن ضبط مسيرتها وفق

























